https://c2.staticflickr.com/6/5293/5537225811_d3e1279c14_o.jpg

رحل عنا الشيخ الداه، فلنحافظ على ذاكرته

من منا ،غير الشيخ الداه ولد الدهاه،(محمد سعيد همدي)، يستطيع أن يقدم تعريفا أفضل لهذه الأسرة ذات الاسم الرمزي، بمسيرتها الاستثنائية الوطنية الفذة التي لم يكن هناك شيء يهيئها لبناء الصداقة مع فرنسا، حيث يقول هو: « كان والدي، في حياته، يعيش صدمة وفاة أخيه غير الشقيق الذي قتله الفرنسيون في معركة حفرة وادان عام 1910. وكان أخي، محمد الهيبة، قائدا في النهضة الوطنية الموريتانية وهي حزب وطني مناهض للاستعمار، حيث تعرض للاعتقال الإداري عشية الاستقلال.

 وقد قاد محمد سعيد، في سن المراهقة، حربه الدونكشوتية  (don quichotte) ضد فرنسا أثناء العدوان الثلاثي على السويس وحرب الجزائر ».

 إن أسرة أهل همدي، يقول المرحوم، بقريحته وظرافته الأسطوريتين، « تأثرت بلا شك بهذا القول المأثور للمفكر العظيم صن تزو( Sun Tzu)، الذي كتب قبل 2500 سنة أن « الحرب المطولة لم تفد قط أي بلد » واستعاضة عن كلمة « بلد »  بكلمة « إنسان »، اختار نظام الوجهاء وفضل السلام؛ وبذلك، سعادة السفير، نجت أمتكم العظيمة من معركة بلاط الشهداء*  (Poitiers) بالمقلوب ».

 كانت هذه كلمات المرحوم محمد سعيد بمناسبة توشيحه بوسام فارس  الشرف يوم 9 ديسمبر 2005، في سفارة فرنسا.ذلكم هو الجانب الخفي من المناضل ذى النضج المبكر في الدفاع عن القضايا العادلة والكاتب الموهوب و المشرف علي نشر  كتاب االبيولوغرافيا العامة  المراجع  حول موريتانيا وأعمال الندوة الدولية الأولى حول التراث الثقافي الموريتاني، التي عقدت في نواكشوط أيام 29 و 30 نوفمبر و1 ديسمبر 1999.

ما زلت أتذكر عندما كنت أخطو خطواتي الأولى لاستكشاف هذا عالم الفن والثقافة غير المألوف بالنسبة لي، انتشار خبر في مدينة أطار حول عرض من هم اكبر من سنا من شباب 68 لمسرحيتين ، إحداهما عن الأمير المقاوم سيد أحمد ولد عيده والأخرى حول  العبودية وكلاهما من تأليف هذه « الروح الحرة »، المتمرد ولكنه غير الثوري، ألا وهو محمد سعيد. فبقدرما كان متمردا واستفزازيا، كان كذلك مسالما ووسطيا ومصلحا من النوع الممتاز.

ويعود أول تعلقي بقراءة إنتاجه الفكري إلى أواخر السبعينيات عندما وهب قلمه للجميل للمالك همام لكتابة انفعالاته ببراعة وصدق.

وفي وقت لاحق، في منتصف التسعينيات، عندما كنت أعمل في باريس، تعرفت جيدا على الوالد والأخ الكبير المرحوم محمد سعيد الذي أرتبط به بعلاقات الجوار والدم والرضاعة.  وفي كل مرة كان لقاؤنا تبادلا مفيدا وبناء.

 ففي كل زياراته، كنت أستقبله وأرافقه إلى فندقه ،ثم نضرب موعدا خلال ساعات فراغنا، لننظم جولات لإعادة اكتشاف مدينة النور وضواحيها القريبة.

كان مولعا بالثقافة، ذا فضول لا يشبع ومغامرا كبيرا، لا يفتأ يتجول بي بحثا عن كتاب، أو بطاقة بريدية، أو طابع بريدي، أو ملصق حول موريتانيا التي يحبها بلا حدود.

 كنا نعبر باريس من خلال مقاطعاتها ومعالمها، مع انجذاب خاص بتلك الغنية بالتاريخ والثقافة مثل الحي اللاتيني ومونمارتر (  Montmartre)  أو لي أينفاليد (Les invalides). كما كان مفتونا بمنزل المتحف أميل زولا في مدانه (Medan).

وخلال زيارتنا لباحة متحف الفن الحديث على بعد خطوات من مترو أنفاق إينا(Iena ) نشر روايته حول تمثال البيظانية في زاوية في   جريدة القلم.

منذ هذه اللقاءات الباريسية، لم أفترق مع هذا المعلم المخلص ذي الخصال الإنسانية الاستثنائية: التواضع والكرم والبساطة والبشاشة والقرب دائما من الضعفاء.

ومن بين علامات صداقتنا التي لا تمحى، أحافظ بكل فخر على شهادته في السجل الذهبي لزوار مكتبتي المتواضعة، حيث كان أول من ترك لي الأحرف التالية: « كم أنا مسرور بالتواجد في المقاطعة الأولى من هذه الزاوية الرائعة للقراءة.  ولكن بمعرفتي لأخي الأصغر جمال، ناهيك عن ولع وشغف عائلته بالكتابة والأفكار، فإنني لست مندهشا. غير أنني مع ذلك سعيد وفخور بالنتيجة »، نواكشوط بتاريخ 20 يونيو 2002 ويوم 10 ربيع  الثاني 1423 هجرية.

ماذا أقول؟ ليس من السهل أن يعرض المرء في صفحة أو اثنتين المسار الغني جدا لهذا الكاتب والدبلوماسي  متعدد الأبعاد، الذي قدم الكثير من الخدمات الجليلة للوطن.

يعود لقائي الأخير مع المرحوم محمد سعيد إلى عشية ذهابه إلى المغرب لاستشارة طبية. لقد وجدته ضعيفا الجسم، لكنه يتحلى بطمأنينة وشجاعة لا يماثلها  لهما سوى إيمانه بالله العلي القدير.  تذكرت ما كان يقوله لي، خلال المناقشات حول مختلف المواضيع، بأنه لا يخشى من الموعد مع الموت، ذلك القدر المحتوم: « أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ«  سورة النساء، الآية 78.

رحل الشيخ الداه، يوم الخميس 20 أغسطس 2015 في مستشفى بالدار البيضاء، حيث هز النبأ عالم الثقافة والدبلوماسية وخيم على موريتانيا بجميع جوانبها جو من الحزن والحداد.

وبمناسبة هذه الفاجعة، أنقل تعازي القلبية إلى جميع موريتانيا وخاصة الباحثين من جميع المشارب وإلى أسرته الصغيرة التي كان يحبها حبا جما: مريم الملقبة سويدح  والزاهد محمد إبراهيم وصويفية والسالكة.

من فضلكم، لنحافظ على الذكرى الحية لأب التراث الثقافي الوطني.

هناك حاجة ماسة وملحة أكثر من أي وقت مضى إلى إنشاء مؤسسة محمد سعيد ولد همدي لصيانة التراث والتنوع الثقافي. وهي ضرورة بقدر ما تجد مبرراتها في عقيدتنا الدينية: « فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ » سورة الرعد، الآية 17.
رحمه الله ونور قبره وجعله روضة من رياض الجنة  في مقبرة أولاد ميجه إلى جانب الشخصيات الأسطورية العزيزة عليه جدا.

تغمده الله بواسع رحمته واسكنه فسيح جنته، آمين.

*توقف الفتح العربي الإسلامي على مشارف مدينة بواتيي

أحمد محمود ولد محمد ولد أحمدو الملقب جمال

                                                                            Abuhamdi2@hotmail.com

Vous pouvez laisser une reponse, ou trackback a partir de votre propre site.

Laisser un commentaire