https://c2.staticflickr.com/6/5293/5537225811_d3e1279c14_o.jpg

الحكم على بيرام بخمس سنين-رؤيا-/ولد احمين اعمر

محمد المختار ولد احمين اعمر عمدة بلدية أوجفت السابق

بينما كان الملك غارقا في النوم شاهد وقائع محاكمة لا يعرف مكان انعقادها، ولا دوافع إلتآمها، ولا مآلات نتائجها، ولا يدري إن كانت مجرياتها حدثت ليلا أم نهارا، لكنه شاهدها وكان يجلس على مقعد بجانب مصباح القاعة العلوي. وروى: « اجتمعت المحكمة في جلسة غير عادية لعدم توفر أسبابها، تحت رئاسة رئيسها الأبيض وبحضور إدعاءها العام الأبيض وكاتب ضبطها الأبيض في قاعة المحكمة ذات اللون الأصفر. وبعد إستكمال الإجراءات القانونية وغير القانونية، تم استجلاب المتهمين من زنازينهم التي دخلوها بلا سبب، وأخرجوا منها مؤقتا بدون سبب. وفي طريق السجناء إلى بناية المحكمة فوجؤوا بمئات الجماهير تزغرد وتلوح باللافتات وتحتل جنبات الطريق وعلى مد البصر، ظنوا أن المرحوم سينغور قد مر من هنا، قبلهم بدقائق قليلة لأن الجمهور كله أسود ويتكون من جميع الشرائح سوى البيظان.
ولما وصلوا إلى باب المحكمة سمعوا صوتا يقول: الحرية لبيرام، عاشت حركة إيرا، يسقط النظام العنصري. فالتفت كبيرهم وقال لرفاقه أسمعتم ذلك الصوت؟ وتلك الهتافات أين نحن؟. فأجابه من يليه لقد منعنا من الفطور هذا الصباح وليلة البارحة، منعنا من تسخين العشاء وبتنا على الطوى، لكنني سمعت عبارة تشبه بيرام إن لم تكن  » لبريم »، وفجأة فتحت أبواب سيارات القوة العمومية، فإذا بهم داخل بناية أدركوا أنها المحكمة لما شاهدوا جماعة من المحامين ترتدي بذلاتها وعناصر الحرس في كل مكان.
أدخل المتهمون في قاعة المحكمة وبعد الضجيج المألوف، والعائد إلى ضيق القاعة وحجم الحضور وقبل افتتاح الجلسة، همس أحد المتهمين في أذن رفيقه، قائلا: « أتعرف ما معنى فحل « الوز » عند البيظان؟. لقد تعهد النظام بإنشاء محكمة خاصة بالإسترقاق وكان من المفترض أن تحاكم الأسياد على ممارساتهم الإسترقاقية، لا أن تحاكم من يفترض أنهم عبيد وهذا ما قد حصل. فأجابه الرفيق إننا في دولة مصابة بديدان المعدة والرمد الحبيبي. ألم تلاحظ قلة المقاعد والتجهيزات؟ وهيئة المحكمة المشكلة من عنصر واحد؟ وهو المدعي عليه. ثم تبادل المتهمان النظرات وأخذت هيئة الدفاع مكانها، وشكلت مبعث ارتياح في نفوس الجمهور نظرا لحضورها المتميز وتشكيلتها المقبولة.
وافتتح رئيس المحكمة قائلا: « سنبدأ أعمالنا على بركة الله ونتعهد بعدالة المحكمة، وحيادها التام وبعد تقديم النيابة العامة للتهم سنمنح المتهمين الوقت الكافي للردود، كما سنسمح لدفاعهم ما يلزم من الوقت للدفاع عن موكليهم على أن نقتصر لإقتصاد الوقت. وتقدمت النيابة بلائحة التهم وكانت على النحو التالي:
- التمرد و »الجمبير »
- التحريض على « الجمبير »
- عدم الإنصياع لأوامر الأسياد
- هز العضلات على حراس الإسترقاق
- إدارة منظمة مارقة وخارجة عن السيطرة
- نادى رئيس المحكمة للمتهم الأول وسأله عن اسمه، قال المتهم اسمي بيرام ولد الداه ولد اعبيد، قلت في نفسي -يقول الملك- أهذا خيال أم واقع؟ إنه يشبه الرجل الذي أعرفه في نواكشوط. فضرب الإدعاء العام الطاولة قائلا: هذا هو إنه قائد مؤامرة لقلب نظام الحكم، تابعنا خيوطها منذ 1085 أيام نشأة العبودية الأولى وله شركاء في الجريمة من بينهم بعض الأسياد الأوائل ومصالح الحالة المدنية. هل تعرف يا سيادة الرئيس مصدر بيرام هذا؟ إنه: « اتبيريم » ومعناه عند البيظان عبد متشنج كثير الغوغاء وخارج عن السيطرة. فتدخل دفاع المتهم وقال: « اعتراض يا سيادة الرئيس، لما كان هذا الإسم من منظور النيابة العامة قد تم اختياره من طرف الأسياد القدماء، فلا تظلموا الرجل لأن كل شيء له حظ من اسمه، وحتى لو لم يكن مثل امبارك وامباركه وامبيريكه وام البركه، فهؤلاء جميعهم أرقاء سابقون، لكن أسيادهم تفاءلوا البركة ومثلهم مسعود ومسعودة وامسيعيده. والفرق طفيف لأن أولئك الأسياد تفاءلوا البركة وهؤلاء تفاءلوا الحظ لا غير. مع أن مسؤولية ما قصدته النيابة تقع على الأسياد أو مصالح الحالة المدنية، الذين تبنوا اسم « بيرام » من حيث الأصل، وتفاءلوا:  » اتبيريم ».
ضرب الرئيس الطاولة وقال السؤال موجه للمتهم، فعلق المتهم: ما علاقة الإنقلابات بالتهم الموجهة إلينا؟. إنها يا سيادة الرئيس محاكمة سياسية بإمتياز، ومحكمتكم الموقرة ليست مختصة، ونطالب من هذا المنبر بالتعويض المادي والمعنوي الناجم عن مخلفات السجن ومخلفات الإسترقاق ومخلفات نظام البيظان.
أما بالنسبة للتهم الخمس فإن « اجمبير » ليس جنحة والتحريض عليه واجب إنساني وحقوقي، وعدم الانصياع لأوامر الأسياد هدف يندرج في صميم نضال العبيد، وهز العضلات لم يقع إلا بعد هز الأقلام والشهادات الذي لم يجد نفعا وإدارة المنظمة قد أنشئت أصلا لكي يثور العبيد ويتحرروا والحرية حق تكفله جميع دساتير البشرية.
إنفجرت النيابة غضبا ووقف ممثلها وقال: « السيد الرئيس لقد اعترف بجميع التهم وإقرار المرء على نفسه خير من ألف شاهد والنيابة العامة تطالب بتطبيق القانون ».
قلت في نفسي لله درك: « الملك ». تدخل دفاع المتهم وقال: « إن النيابة العامة لما طالبت بتطبيق القانون، فالأجدر أن تبدأ بنفسها، حيث تجاوزت المسطرة ونصبت نفسها خصما بدلا من أن تكون طرفا فقط وما صرح به موكلنا، ليس اعترافا على نفسه بجريمة بل يدين السلطات داخليا وخارجيا ».
قلت في نفسي سد الله فاك « الملك ». وبعد مشادة كلامية بين المتهم والهيئة والدفاع، أمر رئيس المحكمة المتهم بالجلوس ونادى باسم الثاني براهيم ولد بلال:
السيد براهيم سمعت لائحة التهم تفضلوا، إعترض ممثل النيابة العامة قائلا: « لن نتجاوز هنا سنضيف على التهم إنتحال الصفة والشخصية والإسم. إن هذا الرجل ينتحل أسماء الأنبياء والرسل، فمن أين له براهيم؟ ألم يضفها على بلال قصد التنكر؟ إنه نائب رئيس المنظمة التي تحاول قلب نظام الحكم.. قال رئيس المحكمة للمتهم، واصل، إعترض الدفاع وقال: لا يجوز أن نحاكم الأشخاص على أسمائهم ولا صفاتهم ولا ألوانهم لأن ذلك يتعارض مع روح الدستور. تدخلت النيابة العامة واعترضت مرة أخرى ووقف ممثلها، وقال: « السيد الرئيس: يجب أن تميزوا من الآن فصاعدا بين القضاء الواقف والقضاء الجالس ودفاع المعارضة المثير للبلابل، خاصة أنكم على علم بالإجتماع المرتقب للمجلس الأعلى للقضاء، خاطب رئيس المحكمة المتهمين قائلا: « إذا كان أحدكم يرغب في التدخين أو الشراب فليخبرنا ».
المتهم الموالي خطري ولد الراجل، سمعتم لائحة التهم تفضلوا، إعترضت النيابة العامة، وقال ممثلها لقد سمي ولد الراجل، وولد الراجل عند البيظان تعني البطل، وظن أن ذلك يخوله هز العضلات على الأسياد، تجاوزه إنه مدان.
عابدين ولد معطله، قال الرئيس: « السيد عابدين سمعت لائحة التهم تفضلوا »، فلم تعترض النيابة، وقال المتهم:  » إن مصدر معطله هو التعطيل عن العمل، حيث تفوقت في الباكالوريا وفي الإصانص الآداب الإنكليزية، وأمضيت وقتي حتى الآن دون عمل، رغم أن من تفوقت عليهم حصلوا على وظائف جيدة. وأقسم أنني إذا لم تطبق العدالة في موريتانيا، سأعود إلى السجن مرات عديدة.
سأل الدفاع النيابة لماذا لا تعترضوا على هذا المتهم كغيره، فأجاب ممثلها بأن معطله هذه هبة من الله، والهبة في هذا الزمن كالهدايا وما شابه لا ترد ولا يعترض عليها ».
الداه ولد بوسحاب، إعترضت النيابة العامة قبل مداخلته وقالت: « هذا هو المكلف بجميع آدوابه وهو الذي دأب على مغالطتهم بزعمه القدرة على « جلب » المطر، وأبو اسحاب هذه، إسم مركب لمنافسة وكالة التضامن ومهمته المكلف بها، تقتصر على تشويه صورة الوكالة، تجاوزه.
الشيخ ولد فال تفضل، إعترضت النيابة أيضا وقال ممثلها: « هذا هو الذي تحاول المنظمة تهيئته ليحل محل المشاييخ والعلماء، وهو الذي أفتى بحرق الكتب، ويمثل الجناح الأسود من الإخوان الجدد، ألم تسمع -يا سيادة الرئيس- تصاريح حزب « تواصل » مؤخرا؟. تجاوزه، إنه أخطر من بيرام بكثير وقد أبلغنا من طرف المخابرات أنه يتكلم بالعبرية، وبعد ذلك فمن أين جاء بالشيخ؟.
شداد ولد محمود تفضل، إعترضت النيابة وقال ممثلها: « هذا متلبس بالجريمة ولاشك أنه كان يتقدم الطابور، لأن شداد والد عنترة، والتهمة الموجهة إلى المعني هز العضلات، ولا أحد يجهل عنترة بن شداد وعضلاته، تجاوزه ».
الحسين ولد علي، تفضل إعترضت النيابة وقال ممثلها: « لم يقتصر هذا التنظيم على التآمر مع الغرب واسرائيل، بل تجاوزهما إلى إيران، وهذا الرجل يمثل المد الشيعي، وإلا فمن أين له الحسين بن علي، تجاوزه ».
محمد ولد الحسين ولد السالم، تفضل، لم تعترض النيابة العامة لكن المتهم سقط أرضا، لعدم تناوله العشاء والفطور، وجلوسه دون مقعد في قاعة لا تختلف كثيرا عن الزنزانة.
شاهدت سقوط الرجل وإهتز قلبي -يقول الملك- وظننت أن أحدا من الشرطة البيض رماه برصاصة وفي تلك الأثناء إختفى الجمهور والهيئة والدفاع، لتعود المحكمة إلى مكتب الرئيس في تشكيلتها المغايرة لمعايير التمثيل، وبدأت في المداولات حول ملف المتهمين.
فقال رئيس المحكمة، لماذا لا يحاكم هؤلاء في بير ام اكرين، حيث الكثافة السكانية اقل، وعدد السود أقل، وهو مكان عصي على الصحافة والمنظمات؟ وماذا ذنبنا نحن؟. فأجابه ممثل النيابة قائلا، لا تحزن يا سيادة الرئيس، لقد حظينا بمحاكمة العصر وعندما نخرج منتصرين، فسيكون ثوابنا عند الملك عظيم، وقد مهدت الطريق للحكم لما فندت حجج المتهمين أمام الملإ، ولم يبقى سوى ملاءمة التهم مع المواد414، 212، 204، علما أن دفاعهم يتكون من عناصر دستها أحزاب المعارضة وكلهم مراوغون ومشاغبون.
قال كاتب الضبط إن المادة 414، مادة التربية ويسري مفعولها على المتهمين والدفاع والمادة 212 مادة الآداب وأيا منهم لم يتأدب مع الحكومة ولا المحكمة والمادة212 مادة الفلسفة ولا أحد يعرف على أيهم تنطبق.
قال رئيس المحكمة أصبت سنبرئ بعضهم، ونجرم بعضهم لأن ذلك أقرب إلى الصواب إذا ما نظرنا إلى الضغوط الممارسة من الخارج، ورغبة جمهور العلماء والبيظان في الداخل.
قال ممثل النيابة سأطمئنكم -يا سيادة الرئيس- إن الملك لا يفرق بين الآمريكان و »جركان »، ولا بين أوروبا و »هابا »، ولا بين اسرائيل و »عزرائيل »، وما يهمه هو وسيلة تكسر بها شوكة العبيد طيلة أربع سنين.
قال رئيس المحكمة: ما دام الأمر كذلك سنحكم على بيرام بخمس سنين وعلى براهيم بستة أشهر وعلى إثنين من المتهمين بثلاثة أشهر ونتيح المجال للملك ليساوم مع الغرب فيما بعد ويمنحهم حرية مؤقتة وعندما يعيدون الكرة فسيكون الباعوض في إنتظارهم، في مهرجان حاشد زغاريده لا تنقطع وطبوله لا تسكت.
لملموا الأوراق وتفرقوا وناديتهم بأعلى صوت لينزلوني من فوق المقعد المعلق، لكنهم لم يسمعوا ندائي وبت معلقا.
استيقظ الملك باكرا مرهقا وكأنه لم ينم وقبل تناوله الفطور إستدعى مفسر الاحلام وقص عليه الحلم، فأجابه أن ما شاهده ليس حلما، بل هي رؤيا وثلاثة تعوذ منها العرب قديما: السيل، وفحل الإبل والعبد الأحمر. وعليه مواصلة الدعاء ليجنب المولى عز وجل بلادنا ويلات الحروب الأهلية والنعرات العرقية وحذره من ظلم الضعفاء وكيد النساء وجبروت الأغنياء

Source : .http://www.aqlame.com/article22073.html

Vous pouvez laisser une reponse, ou trackback a partir de votre propre site.

Laisser un commentaire